“ناتو” من دون أميركا

This post was originally published on الإندبندنت عربية

<p>علم "فيلق التدخل السريع المتحالف" التابع لـ"ناتو" في ميدان تدريب قرب غالاتي، رومانيا، فبراير 2025 (رويترز)</p>

خلال تاريخه الممتد على مدى 76 عاماً، واجه حلف شمال الأطلسي (ناتو) أزمات عدة، لكن لم يكُن أي من هذه الأزمات بمستوى خطورة تلك التي يمر بها اليوم. فقد شكك الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ عودته للبيت الأبيض في المبدأين الأساسيين لالتزام الحلف الدفاع الجماعي، وهما أن هناك فهماً مشتركاً للتهديدات التي تواجه أعضاء “ناتو” وأن أمن هؤلاء الأعضاء كلهم واحد ولا يمكن أن يتجزأ. ووقفت الولايات المتحدة إلى جانب روسيا وضد جميع أعضاء “ناتو” الآخرين في فبراير (شباط) الماضي عندما عارضت قراراً للأمم المتحدة ينص على إدانة غزوها لأوكرانيا. علاوة على ذلك، شكك ترمب مرة تلو أخرى في بند الدفاع الجماعي لـ”ناتو” بإعلانه أن الولايات المتحدة لن تدافع عن الحلفاء الذين “لا يدفعون”، على رغم أن جميع أعضائه تقريباً زادوا من نسبة إنفاقهم الدفاعي بصورة كبيرة منذ عام 2014.

ونظراً إلى تضاؤل الاحترام الذي يكنه ترمب للحلف ولالتزامه الدفاع الجماعي، فلن يكون من المفاجئ أن تقرر إدارته الانسحاب من “ناتو”. وأقر الكونغرس في أواخر عام 2023، قانوناً يمنع الرئيس من القيام بذلك من دون موافقة مجلس النواب. ومن المفارقات ماركو روبيو – وزير الخارجية الحالي والسيناتور السابق – شارك آنذاك في رعايته مشروع القانون هذا. ولكن إذا قررت الإدارة تجاهل القانون، من غير المرجح أن تقوم المحكمة العليا بأي إجراء من أجل منعها من ذلك. فقد عمدت المحكمة تاريخياً إلى إحالة المسائل المتعلقة بالشؤون الخارجية إلى السلطة التنفيذية، وقد تجد أن القانون نفسه غير دستوري.

وحتى إذا لم ينسحب ترمب من الحلف، فهو قوضه سلفاً بصورة خطرة. إن بند الدفاع الجماعي في المادة الخامسة من معاهدة “ناتو”، ينص على أن أي هجوم على أحد أعضاء الحلف يعتبر هجوماً على الجميع. ويستمد البند صدقيته من اعتقاد الأعضاء بأنهم جميعاً مستعدون للدفاع عن بعضهم بعضاً. وصدقية البند مستمدة من هذا الإيمان أكثر منها من المعاهدة الرسمية. ويعني ذلك عملياً، أن الولايات المتحدة، بجيشها الضخم، ستتدخل لحماية أي حليف من “ناتو” عند تعرضه لهجوم. وأدت تصريحات ترمب وأفعاله منذ عودته لمنصبه، بما في ذلك التهديدات التي وجهها مباشرة لكندا وغرينلاند، وكلاهما عضو في “ناتو”، إلى تآكل هذه الافتراضات. ومثلما صرّح المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس في فبراير الماضي، فمن غير المؤكد “ما إذا كنا سنظل نتحدث بعد بضعة أشهر عن ’ناتو‘ الذي عهدناه”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل يمكن للحلف أن يبقى على قيد الحياة من دون الولايات المتحدة، التي كانت طوال تاريخه عضوه الرائد والمصدر الرئيس لأمنه؟ والجواب نظرياً، نعم. وإذا انسحبت إدارة ترمب من “ناتو“، فستظل المعاهدة سارية المفعول بالنسبة إلى الأعضاء الـ31 الآخرين. ومع ذلك، سيكون من الصعب من الناحية العملية، أن يؤدي بديل ما دور الولايات المتحدة في التحالف، ولا سيما في فترة زمنية قصيرة. ونظراً إلى التغييرات الجذرية في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب، فإن الخطوة التالية الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى بقية أعضاء “ناتو”، هي تصور مستقبل من دون الولايات المتحدة، ووضع الحلف في موضع يهيئه للنجاح بغض النظر عن ذلك.

ولبلوغ هذا الهدف، سيحتاج الأعضاء الآخرون إلى توفير قدر أكبر من المال وكسب مزيد من الوقت وضمان استمرار وجود مستوى معين من التعاون الأميركي. ورصد القادة في أوروبا سلفاً مزيداً من المال، جزئياً من خلال إعفاء نفقات الدفاع من القيود الخاصة بالموازنة. والآن، سيتعين عليهم الاستثمار في نوع القدرات العسكرية الأساسية التي كثيراً ما تكفلت الولايات المتحدة بتقديمها. كما سيحتاجون إلى توفير الجزء الأكبر من القوات اللازمة للدفاع عن أنفسهم على أن يقوموا بذلك في غضون أعوام، وليس عقوداً.

إتبع القائد

إن “ناتو” يختلف عن أي تحالف عسكري آخر. فهو يملك مقره السياسي والعسكري الخاص، ولديه هيكل قيادة متكامل، وتمويل مشترك، فضلاً عن تخطيط وتدريب وتمارين وعمليات دفاعية مشتركة. وعلى رغم أن الدول الأعضاء تتشارك في تحمل هذه المسؤوليات، فإن الولايات المتحدة تقوم بدور محوري في كل منها. فهي ليست فقط أكبر وأهم مساهم عسكري في التحالف، بل كثيراً ما أصرت على موافقة الأعضاء الآخرين في الحلف على دمج قدراتهم الدفاعية ضمن هذا الهيكل الذي تقوده الولايات المتحدة، مما يضمن سيطرة واشنطن على كيفية استخدام هذه القدرات في العمليات العسكرية الرئيسة.

ولم يبدأ حلف شمال الأطلسي مسيرته على هذا النحو. فقد وافقت الولايات المتحدة على توقيع معاهدة شمال الأطلسي، في أبريل (نيسان) عام 1949، فقط بناءً على إلحاح شديد من شركائها الأوروبيين الذين كانوا يخشون من التوسع السوفياتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وفي البداية، قدمت على أنها اتفاق للأمن الجماعي، وليست تحالفاً أو منظمة دائمة. وتغير هذا بعد غزو كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية عام 1950، إذ إن هذا الهجوم كان بمثابة تحذير من أن الاتحاد السوفياتي كان قادراً على ضرب دول “ناتو” بعد تحذير بسيط لا يكاد يذكر أو من دون سابق إنذار. وأدرك صناع السياسات الأميركيون أن الردع والدفاع الفاعل يتطلبان أكثر من مجرد التزام مكتوب، إذ يستلزمان وجود قوات دائمة تحت قيادة مشتركة وهيئة سياسية من الممكن حشدها على وجه السرعة في حال وقوع هجوم مفاجئ.

وهكذا تطورت معاهدة شمال الأطلسي إلى منظمة حلف شمال الأطلسي. وعينت الدول الأعضاء ممثلين دائمين لها في مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة الحاكمة للمنظمة الجديدة، كما اتفقت على إنشاء هيكل قيادة عسكرية متكامل برئاسة قائد أعلى. (وكان أول شخص اختير لاحتلال هذا المنصب، في أوائل عام 1951، هو الجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور الذي كان سيصبح في ما بعد رئيساً للولايات المتحدة). ومنذ ذلك الحين، قام حلف شمال الأطلسي بتنظيم الدفاع الجماعي من خلال هذه العملية المتكاملة التي تُخصص لكل دولة عضو أنواع القدرات التي تحتاج إلى شرائها ونشرها. وعلى رغم أن الأعضاء مسؤولون عن دفع الكلف اللازمة لقواتهم المسلحة ونشرها، فإن القيادة المشتركة تخطط لعمليات “ناتو” وتقوم بتنظيم التدريبات عليها، ومن ثم بقيادتها إذا لزم الأمر.

الأهم هو الأسلحة النووية الأميركية التي تشكل الرادع النهائي لـ”ناتو”

على مدى أكثر من سبعة عقود، كانت عمليات التخطيط الدفاعي المتكامل والتنسيق العسكري توجه دول “ناتو”. لكن هذا النهج نجح فقط لأن الولايات المتحدة قامت بدور مهيمن وموحد. فقد شغل الضباط العسكريون الأميركيون دائماً المناصب الرئيسة في هيكل القيادة داخل “ناتو”، بما في ذلك تعيين قائد القيادة الأوروبية- الأميركية في منصب القائد الأعلى للحلف.

وتؤدي القوات البرية والبحرية والجوية للولايات المتحدة كثيراً من الوظائف العسكرية الحيوية للحلف. كما يقدم الجيش الأميركي أيضاً المكونات الرئيسة لشبكة الدفاع الجوي المتكاملة التي تحمي الأجواء الأوروبية، إلى جانب شبكات الاتصالات وقدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الخاصة بالحلف. والأهم من هذا كله، تأتي الأسلحة النووية الأميركية، بما فيها تلك المنتشرة في أوروبا والمشتركة مع قوات الحلفاء والتي تشكل الرادع الأخير لـ”ناتو”.

وطلبت الولايات المتحدة من شركائها في الحلف دمج قواتهم المسلحة بالكامل ضمن هذا الهيكل الذي تقوده الولايات المتحدة، مقابل توفير هذه المظلة الأمنية المنيعة. ورحب معظمهم بذلك لأنهم اعتبروا التكامل ضمانة ملموسة بأن الولايات المتحدة ستدافع عنهم [إذا لزم الأمر]. لكن كان هناك من ترددوا، خصوصاً فرنسا في عهد شارل ديغول، التي لم تكُن واثقة تماماً من أن المصالح الأمنية لكل من واشنطن وباريس ستكون دوماً واحدة. وفي نهاية المطاف، لم تكتفِ فرنسا بتطوير أسلحتها النووية الخاصة، بل خرجت من هيكل قيادة “ناتو” عام 1966، مع أنها بقيت من دول الحلف.

ومع أن فرنسا كانت فريدة في رغبتها في الاستقلال، فهي لم تكُن الدولة الأوروبية الوحيدة التي سعت إلى التمتع بدور أكبر في إدارة قواتها المسلحة بنفسها. وخلال سبعينيات القرن الماضي، ومع بروز خلافات داخل “ناتو” حول حرب أميركا في فيتنام، خشي بعض أعضائه الأوروبيين من الانجرار إلى حرب لا علاقة لها بمصالحهم الأمنية. وفي أوائل الثمانينيات، أثار موقف الرئيس الأميركي رونالد ريغان العدائي تجاه الاتحاد السوفياتي مخاوف متزايدة من أن أوروبا قد تتحول إلى أثر بعد عين بسبب خلافات بين موسكو وواشنطن لم تكُن القارة طرفاً فيها. ونأت بعض الدول الأوروبية بنفسها بصورة صريحة عن الأولويات المعاصرة للولايات المتحدة، بما في ذلك حرب العراق. وبعد الحرب الباردة، قام الاتحاد الأوروبي بدور رئيس في مساعدة أعضاء “ناتو” الأوروبيين في رفع درجة استقلاليتهم ضمن مجالي الدفاع والأمن، إذ سعت دول الاتحاد إلى تبني سياسة خارجية وأمنية مشتركة اشتملت أيضاً على بعد دفاعي متنامٍ. وعززت معاهدة لشبونة لعام 2009 التزاماً دفاعياً مشتركاً، على رغم أنها أقرت بأن التزام الحلف الأمن الجماعي سيحظى دوماً بالأولوية بالنسبة إلى أعضاء “ناتو”.

وقبلت الولايات المتحدة نظرياً حاجة أوروبا إلى الاضطلاع بدور أكبر في الحفاظ على أمنها. وفي نهاية الأمر، من الممكن أن يفضي السماح لأوروبا بمزيد من الاستقلالية إلى توزيع أكثر عدلاً لعبء الدفاع الإجمالي، وهو هدف سعت إلى تحقيقه كل إدارة أميركية منذ تأسيس الحلف. لكن عملياً، أصرت واشنطن على ألا تفعل أوروبا شيئاً يقوض ربما الدور القيادي للولايات المتحدة في “ناتو” أو يضعف مكانته البارزة في الأمن الغربي. وكان من المناسب أن يرفع الأوروبيون مساهماتهم في الدفاع المشترك، لا بل كانوا يلقون التشجيع للقيام بذلك. ولكن يجب أن تُقدم هذه المساهمات من أجل دعم الحلف، وليس لدعم مشروع مستقل.

وعام 1998، حذرت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت من أن الولايات المتحدة ستحكم على أي جهد دفاعي أوروبي من منظور ما عُرف لاحقاً بـ”اللاءات الثلاثة” [وهي عبارة عن ثلاثة شروط]: لا يمكن أن يكون هناك انتقاص من دور “ناتو” ولا ازدواجية في جهوده الدفاعية ولا تمييز من جانب الاتحاد الأوروبي ضد الدول غير الأعضاء في “ناتو” في ما يتعلق بالمشتريات الدفاعية. بالتالي، رفضت واشنطن على الفور أي اقتراح من شركاء الولايات المتحدة الأوروبيين بإنشاء مقار منفصلة، أو قوات مسلحة مستقلة، أو أشكال أخرى من الاستقلال، باعتبار أن هذه كلها تتعارض مع سيادة “ناتو”.

الكل متحدون

وبعد عقود من الإصرار على دورها المركزي داخل “ناتو”، أشارت الولايات المتحدة الآن إلى أنها لم تعُد ترغب في قيادة الحلف. وخلال أول ظهور له أمام “ناتو”، في منتصف فبراير، أوضح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث هذا الموقف بصورة لا تقبل الجدال، إذ قال “إن الحقائق الاستراتيجية الصارخة تمنع الولايات المتحدة الأميركية من التركيز بشكل أساس على أمن أوروبا”. وأضاف أن استمرار التحالف عبر الأطلسي يتطلب “تدخل الحلفاء الأوروبيين في الساحة وتولي مسؤولية الأمن التقليدي في القارة”. ولكن بخلاف دعوة الدول الأوروبية إلى رفع مستوى إنفاقها الدفاعي، وهو اقترح زيادة موازنات هذه الدول بصورة كبيرة إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لم يتطرق هيغسيث إلى كيفية تسلم أوروبا مسؤولية قيادة منظمة بُنيت واستمرت على مدى عقود لضمان هيمنة الولايات المتحدة وسيطرتها.

وينبغي أن تكون الإجابة عن هذا السؤال الآن في أعلى سلم الأولويات بالنسبة إلى أعضاء “ناتو” الآخرين والهدف الرئيس للقيادة المدنية والعسكرية للتحالف. وتوفر خطط الدفاع الإقليمية الجديدة لـ”ناتو” التي وضعت منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، الإطار اللازم لتحقيق ذلك. وتحدد هذه الخطط متطلبات القوة التي يحتاج إليها “ناتو” بصورة جماعية للدفاع عن أجنحته الشمالية والشرقية والجنوبية في أوروبا. وإذا التزمت الدول الأوروبية وكندا تلبية معظم هذه الحاجات، إن لم يكُن كلها، خلال الأعوام المقبلة، فسيؤدي ذلك إلى خلق وضع دفاعي أقل اعتماداً على الولايات المتحدة بكثير مما هو عليه الآن.

سيتطلب تحويل “ناتو” إلى منظمة أوروبية ثلاثة أمور لا تتوافر حالياً بصورة كافية، وهي المال والوقت والتعاون الأميركي. وإن كلفة إجراء هذا التحول الجذري ستستلزم نقلة كبيرة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، إذ سيكون على الدول الأعضاء أن تخصص “أكثر بكثير من ثلاثة في المئة” من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، بحسب الأمين العام للحلف مارك روته. ومع ذلك، حتى مع توافر الموارد الكافية، سيستغرق الأمر أعواماً، إن لم يكُن عقداً، لتوفير القدرات اللازمة وتدريب القوات وتجهيزها ونشرها في الميدان. لهذا السبب، ستحتاج أوروبا إلى تعاون واشنطن الفاعل لجهة نقل المسؤولية من الولايات المتحدة إلى أعضاء آخرين في “ناتو”. وليس من الواضح في بعض المجالات، خصوصاً الأسلحة النووية، ما إذا كان أي طرف سيستفيد من انتقال شامل للمسؤولية.

ولحسن الحظ، يبدو أن القادة الأوروبيين يفهمون طبيعة التحدي الذي يواجهونه، وبدأوا التصرف بما يتناسب مع هذا الفهم. فخلال القمة الأوروبية التي عقدت في أوائل مارس (آذار) الماضي، وافق قادة دول الاتحاد الأوروبي على اقتراض 150 مليار يورو (نحو 162 مليار دولار) من أجل الإنتاج الدفاعي، وعلى إعفاء الإنفاق الدفاعي من قواعد الموازنة التي تحد من الإنفاق السنوي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مما قد يضيف 650 مليار يورو (نحو 700 مليار دولار) أخرى إلى الدفاع على مدى الأعوام الـ10 المقبلة. واللافت أن ألمانيا التي كثيراً ما أنفقت قليلاً نسبياً على الدفاع على رغم أنها صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا، قامت بنقلة كبيرة في قواعد الإنفاق الخاصة بها. ففي مارس الماضي، وافق برلمانها على إعفاء كل من الإنفاق الدفاعي وتمويل أجهزة الاستخبارات والمساعدات المقدمة لأوكرانيا من القيود المالية الصارمة للبلاد المتعلقة بالموازنة، وهي خطوة قد تضيف ما يصل إلى 400 مليار يورو (نحو 432 مليار دولار) إلى إنفاقها الدفاعي خلال الأعوام المقبلة. وتحذو حذوها حكومات أخرى عدة.

لم تعد أوروبا تثق بالتزام واشنطن أمن القارة

وينبغي رصد هذه الموارد الدفاعية الإضافية من أجل تلبية متطلبات قوات “ناتو”. ويجب على الدول الأعضاء الأوروبية في الأقل أن تلتزم توفير 75-80 في المئة من القوات اللازمة لتنفيذ خطط الدفاع الإقليمية للحلف بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الـ21، وتوفير كل هذه القوات تقريباً، على المدى البعيد. وسيشمل ذلك تطوير قدرات حيوية للقيام بعمليات قتالية مكثفة ومستدامة، علماً أن هذه القدرات تضم الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية والدفاعات الجوية والصاروخية المتطورة، كما يجب على القادة الأوروبيين مضاعفة جهودهم في تجنيد قواتهم العسكرية وتدريبها.

مع ذلك، وحتى في حال توافر المال والوقت الكافيين، سيتطلب نجاح هذا التحول دعماً نشطاً من جانب واشنطن. فإذا خرجت الولايات المتحدة من “ناتو” وانسحبت من أوروبا بسرعة ومن دون تنسيق، فسيكون من المرجح أن ينهار الهيكل المتكامل الذي بُني على مدى عقود. وببساطة، لا تملك الدول الأوروبية الموارد العسكرية والتكنولوجية اللازمة لاستبدال بصورة فورية ما كانت توفره الولايات المتحدة، تحديداً لأن واشنطن أوضحت لها لعقود أن بناء مثل هذه القدرات سيكون مضيعة للمال على خلق قدرات موجودة لدى الحلف سلفاً. وفي بعض المجالات، مثل الأسلحة النووية، ربما تفضل الولايات المتحدة البقاء في “ناتو”، إذا كان البديل هو قيام مزيد من الدول الأوروبية بتطوير قدراتها النووية.

ولم تعُد أوروبا تثق بالتزام واشنطن أمن القارة، وهو انهيار للثقة أثار سلفاً شكوكاً عميقة حول مستقبل “ناتو”. لكن لا يزال هناك سبيل للمضي قدماً على نحو يحافظ على أفضل ما قدمه الحلف منذ زمن طويل، وهو دفاع قوي قادر على دحر أي تهديد لأمن الدول الأعضاء. وسيتعين على أوروبا الآن تمويل جزء كبير من هذا الردع وتوفيره. وباستثناء الولايات المتحدة، تضم الدول الأعضاء الـ31 الأخرى في “ناتو” عدداً من السكان يزيد على 600 مليون نسمة، كما تتمتع بمجموعة موارد اقتصادية تفوق موارد روسيا بـ10أضعاف. وعلى رغم اعتمادها على الولايات المتحدة لفترة طويلة، فإن هذه الدول قادرة تماماً على ضمان أمنها المستقبلي. ولقد آن الأوان للبدء بذلك.

 

إيفو دالدر هو الرئيس التنفيذي لمجلس شيكاغو للشؤون العالمية، وشغل منصب السفير الأميركي لدى “ناتو” بين عامي 2009 و2013

مترجم عن “فورين أفيرز”، 28 مارس (آذار) 2025

subtitle: 
هكذا يمكن لأوروبا إدارة تحالف صمم ليكون تحت سيطرة واشنطن
publication date: 
الخميس, أبريل 3, 2025 – 19:30